الرئيسية | الأولى | ما بين واشنطن والبحر الميت

ما بين واشنطن والبحر الميت

| بنت الأرض 

ما حدث في الأسبوع الماضي هو تزامن لافت بين مؤتمر الإيباك السنوي في واشنطن والذي حضره ثلثا أعضاء الكونغرس، ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وبين القمة العربية الثامنة والعشرين التي عُقدت في عمان 27-29/آذار/2017.
واللافت أيضاً ليس غياب سورية عن القمة، ولكن غياب أي حضور عربي حقيقي أو لغة عربية جزلة وممتعة، أو موقف عربي واضح وأكيد من أي قضية تشكّل شاغلاً ومصدر قلق للعرب في مختلف أقطارهم.
واللافت أيضاً هو هذا الانسجام الغريب أو التشابه إلى حدّ التطابق بين موقف الإيباك من إيران، وموقف القمة العربية من البلد ذاته، ولمن لا يتابع دقائق الأمور فإن الإيباك هي المنظمة الصهيونية المتحكمة بمقاليد السلطة في واشنطن والتي يتملّقها كل السياسيين الأميركان الطامحين للوصول إلى أي من أدوات السلطة كالرئاسة والكونغرس وإلخ، وهي المنظمة المعنيّة أولاً وأخيراً بدعم إسرائيل في كلّ ما تخطط له من احتلال واستيطان وتهجير للفلسطينيين وحروب وإنشاء الدولة اليهودية على حساب البقية الباقية من العرب الفلسطينيين، والمعنية أيضاً بتدمير القوى والعقول العربية كي تنعم إسرائيل بالهيمنة على العرب وثرواتهم.
وقد أوضح نائب الرئيس الأميركي في كلمته أسباب عدائهم لإيران والأسباب تنطلق من منظور إسرائيلي بحت، على حين لم يسرد القادة العرب أسباب عدائهم لإيران ولجؤوا فقط إلى عبارات جوفاء ولكنها هي نفسها التي تستخدمها إيباك في اتهام إيران بإثارة القلاقل في المنطقة، وعلّنا نجد في كلمة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس السبب الحقيقي للموقف من إيران سواء في قمة الإيباك أو في قمة البحر الميت حيث قال مخاطباً الإيباك: «لقد وضعت هذه الإدارة إيران تحت المراقبة، ولن تتحمل الولايات المتحدة بعد اليوم جهود إيران لزعزعة استقرار المنطقة وإحداث الشلل في الأمن الإسرائيلي».
ولكنه استطرد ليوضح السبب الحقيقي الكامن خلف عداء الولايات المتحدة وقمة البحر الميت لإيران: «إن آيات الله في طهران يعترفون علناً برغبتهم في محو إسرائيل من الخريطة وإغراق شعبها في البحر، وعلى مدى عقود زودت إيران بالمال والسلاح الإرهابيين في لبنان، (يقصد حزب الله طبعاً) وسورية وقطاع غزة وحماس. وقد ذهبوا بعيداً في تطوير السلاح النووي والصواريخ البالستية واليوم لديهم مصادر إضافية لإحداث فوضى تهدد أمن إسرائيل، ولذلك دعوني أكن واضحاً، في ظلّ رئاسة الرئيس ترامب لن تسمح الولايات المتحدة لإيران بتطوير السلاح النووي، وهذا هو وعدنا المقدس لكم ولإسرائيل وللعالم».
من هنا يتضح للجميع أن موقف الولايات المتحدة من إيران سببه الأساس هو موقف إيران من الكيان الصهيوني والقدس والقضية الفلسطينية ودعم قوى المقاومة والممانعة، فإذا تخلّت إيران عن موقفها هذا فإنها ستحظى بعلاقات جيدة مع واشنطن وحينئذ أين ستكون السعودية وأزلامها؟ ولذلك يتم الترويج اليوم من قبل أموات قمة البحر الميت، وبقوّة، لفكرة التناقض بين العروبة وإيران علماً أنهم كانوا ومازالوا يعادون القومية العربية علناً، فالفكر القومي حرام حسب فتاوى شيوخ الوهابية، وكأن هؤلاء الذين يقصفون شعب اليمن ويقتلون أطفاله ونساءه ويدمرون حضارته، كأن هؤلاء يمثلون العروبة وهم الذين قادوا الحرب على ليبيا، ومازالوا يقودون الحرب على العراق وسورية ولبنان والبحرين ومصر، وقاموا بدورهم في انفصال جنوب السودان، ويشجعون انفصال شمال العراق.
لقد صدّرت الوهابية بطائفيتها الغبية، مفاهيم وأفكاراً خطيرة في معظم أقطار الوطن العربي مفادها أن العروبة تتناقض مع إيران وأن الصراع مع إيران أولوية على الصراع مع الكيان الصهيوني، ومن الواضح من مدرجات أعمال مؤتمر الإيباك ومقرراته أن السبب الأساسي في الموقف الأميركي المعادي لإيران هو الحرص على مصلحة إسرائيل وأمنها وتفوقها الاستراتيجي في المنطقة.
الاستنتاج المنطقي إذاً هو أن كلّ من يعبّر عن قلقه من إيران ونفوذها في المنطقة، إنما هو يخدم المشروع الصهيوني، ولا غرابة في ذلك لأننا نواجه اليوم إسلاميين متصهينين تماماً كما يواجه العالم منذ عقود يهوداً متصهينين ومسيحيين متصهينين، وعلينا أن نفرز فرزاً حاسماً وخالصاً بين العروبة والأعراب المتصهينين، وبين الإسلام الحنيف والإسلاميين المتصهينين.
ومن هذا المنظور ذاته فإن مؤتمر الإيباك واجه تظاهرة وحيدة وهي من اليهود الأرثوذكس المعادين جداً للصهيونية.
إذا الصراع في منطقتنا ليس سنياً وشيعياً ولا إسلامياً مسيحياً ولا حتى يهودياً إسلامياً، وإنما هو صراع سياسي بين العروبة والصهاينة يهوداً ومسيحيين ومسلمين وأعراباً، منقادين كالقطيع وراء الغرب والصهيونية، وبين أبناء الشعب العربي المؤمنين بتراب بلدانهم ومستقبل أجيالهم.
والقمة الميتة على البحر الميت لم تعانِ من غياب فلسطين وسورية واليمن فقط، وإنما من غياب العروبة والمنطق العربي والصوت العربي المؤمن بقضاياه ومستقبل أجياله.
وطبعاً ليست هذه هي القمة العربية الوحيدة التي لا يعوّل عليها الشارع العربي، ولكنها القمة الأولى التي تشهد لقاء أكيداً بين الوهابية والصهيونية، وتحالفاً حقيقياً بينهما، ومؤكداً لاستهداف حضارة وثروات هذه الأمة وتدمير جيوشها وكلّ أسباب مقاومتها.
يجب ألا يكون هذا مستغرباً كثيراً لأن الطائرة الأولى التي قصفت بغداد كانت طائرة قطرية، والطائرة الأولى التي قصفت صنعاء، كانت طائرات سعودية، والطائرات التي تسفك دماء الشعب اليمني هي طائرات الأنظمة الوهابية، وإن كان الطيارون إسرائيليين وأميركان.
علينا اليوم أن نقول: وداعاً للنفاق العربي، وأن نشهد حقبة جديدة بعد هذا الربيع الصهيوني الدامي، وأن نعلن فراقاً أبدياً بيننا وبين أساليب العمل العربي التي قادت إلى البحر الميت وإلى تعزيز الاستيطان في فلسطين وإلى المهانة للشعب العربي في مختلف أقطاره.