ترامب: أنا موجود

| بيروت – محمد عبيد 

ربما يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه من خلال عدوانه على سورية سيتمكن من رسم خطوط حمراء لانتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه، كما أن هذا العدوان سيسمح لإدارته بحجز مقعد رئيسي على طاولة الحل السياسي للأزمة في سورية، إضافة إلى إمكانية الاستفادة من العدوان الصاروخي الأخير في إظهار قوة واشنطن وقدرتها على حماية وجودها في المناطق التي انتشرت فيها مئات من قواتها البحرية (المارينز) في ظل تقدم سريع للجيش العربي السوري وحلفائه باتجاه الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، ما سيضعهم على خط تماس مباشر مع تلك القوات.
هو أمر طبيعي أن يميل ترامب تحديداً إلى هذا الاعتقاد، وهو الرئيس الأميركي الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي تراجعت شعبيته إلى أدنى مستوى خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ انتخابه، وهو الرئيس الوحيد الذي لم يتمكن حتى اليوم من تشكيل إدارة متكاملة تحظى بثقة الكونغرس أو باستمرار دعم من انتخبوه، بل على العكس من ذلك فقد سقط الكثير من مرشحيه لتولي مواقع وزارية في إدارته بضربات استخباراتية قاضية من جهاز داخلي أساسي في إدارة البلاد «أف بي آي»، كذلك من وسائل إعلامية نافذة عديدة وفي مقدمها الـ«سي إن إن»، وهو الرئيس الذي يأخذ عليه نافذون في النظام السياسي الأميركي، عدم تجرئه على المس بروسيا وخصوصاً برئيسها فلاديمير بوتين ولو لفظياً، ما طرح علامات استفهام كثيرة حول المستمسكات الانتخابية والشخصية الواقعة بيد موسكو التي تمنعه من ذلك، كما أنه الرئيس الذي يواجه أزمات داخلية بسبب إجراءات سريعة وعشوائية اتخذها لحظة دخوله البيت الأبيض أبرزها إلغاؤه برنامج أوباما للرعاية الصحية من دون إقرار بديل له، وهو البرنامج الذي اعتبره الديمقراطيون كما الأغلبية من الشعب الأميركي، أحد أهم إنجازات الإدارة السابقة، والأهم أنه الرئيس الذي كثر الحديث مؤخراً في بعض الأروقة السياسية والدبلوماسية الأميركية والدولية، عن الاتجاه إلى تحديد صلاحياته ونقل بعضها إلى نائبه مايكل بنس! ولكن، رغم ذلك كله هل يمكن لعدوان عسكري فاشل أن يحل أزمات ترامب الآنفة الذكر؟
من المؤكد أن التورط الأميركي الجديد والأهم المباشر سيزيد من تعقيد واقع ترامب السياسي ما لم يستتبعه بحركة دبلوماسية سريعة باتجاه روسيا، النافذ الدولي الأساسي والوحيد في مسار الأزمة في سورية، وهو المخرج الوحيد له في حال عززه برغبته في الشراكة في صياغة حل سياسي لهذه الأزمة مبني على قرارات مجلس الأمن 2253 و2254، لأن بديل ذلك استمرار المجموعات الإرهابية بالتوالد والتوافد نحو سورية برعاية من أتباع واشنطن السعوديين والأتراك والقطريين، وهو أمر سيجر ترامب إلى التورط من جديد، ما سيزيد من تراجع شعبيته ومناهضة الرأي العام الأميركي لخياراته.
ولكن أيضاً، يبقى السؤال الأعمق حول احتمال أن يكون هذا العدوان مؤشراً على تبدل أولويات ترامب؟
لا مجال للشك في قِدَم العداء حيناً والخصومة حيناً آخر وتبادل المصالح براغماتياً أحياناً أخرى، بين الإدارات الأميركية المتعاقبة من جهة، والنظام في سورية من جهة أخرى، إلا أن العناوين التي أطلقها ترامب خلال حملاته الانتخابية وبعيد وصوله للرئاسة، أوحت أنه يمكن اعتماد مبدأ أن «عدو عدوي هو صديقي» ولو بالوساطة، فأولوية الحرب على المجموعات الإرهابية وعلى رأسها داعش وجبهة النصرة باعتبارها مادة سياسية إعلامية يمكن تسويقها وبيعها للرأي العام الأميركي، تفترض المهادنة مع النظام السوري مرحلياً وطمأنته عبر صديقه الإستراتيجي روسيا، لكن يبدو أن ضيق حيلة ترامب داخليا وتحريض قادة الكيان الإسرائيلي وعواصم التآمر على سورية في الرياض وأنقرة والدوحة، قد دفعته إلى اتخاذ قرار العدوان ليقول: أنا موجود!
منذ عام 1941 تمارس الولايات المتحدة الأميركية دور القائد والمسؤول عن إدارة العالم وأزماته، وقد تعزز هذا الدور بعد انهيار منظومة الاشتراكية الدولية نتيجة سقوط النظام السوفييتي ومن ثم الاعتداء على برجي نيويورك عام 2001، لكن هل يصح التفكير بالعودة إلى ممارسة مثل هذا الدور في ظل تراجعات تدنو من مستوى الهزائم أصابت الهيبة الأميركية داخلياً وخارجياً ومع رئيس من خارج المؤسسة السياسية الأميركية التقليدية؟
من المؤكد أن سورية ليست مكاناً مناسباً لاستعادة المجد الأميركي الذي وعد به ترامب، لكنها قد تكون معبراً له لإعادة تنصيب نفسه شريكاً عالمياً في صياغة الحلول بدل ابتداع الأزمات، وربما في ذلك تعويض عن إخفاقه في تكريس تنصيبه داخلياً.