السـُخنة.. مدينة الوسط والشرق

| نزار الرفيع

إلى الشرق من تدمر بـ70 كلم تقبع السخنة ساحبة أرياف حمص والرقة ودير الزور إلى أطرافها، ورغم أن جغرافيتها تشكل آخر عمق لمحافظة حمص، إلا أنها تلعب دور الباب لكل الشرق السوري، فالمدينة لا يكاد يذكر اسمها إلا وذكر فك الحصار عن مدينة دير الزور، وفيها من ملامح محافظة الرقة الكثير من تفاصيل العادات والثقافات.
موقع المدينة أعطاها أفضلية الإشراف على داخل مدن الجوار وباتت مع الأيام ممراً تجارياً وعنواناً للتنقل، وهو ما دفع تنظيم داعش الإرهابي للسيطرة عليها، ويبدو أن سكان المدينة قد زرعوا معارفهم وتجارتهم في كل الرقعة السورية فبات هناك ما يسمى بحارة السخاني في مدن كحلب وحماة والرقة ودير الزور، إلى جانب مهارة أهل السخنة في نقل السلع ومقدرتهم ومعرفتهم المرتفعة في ربط البادية بحواضر المدن السورية كحلب التي اتخذت بعداً إقليمياً على مدى التاريخ.
قذائف ورصاص المعارك على مدى أسابيع بمحيط السخنة، يؤكد أن الطرق في المساحات المفتوحة هي المسار الوحيد لطرق بوابات المدن المفتاحية، وعليه تكون أهداف التحركات العسكرية، دقيقة وغير قابلة للفشل، كما أنها ترسم بوضوح المسافة بين البوابة، وهي هنا السخنة والهدف وهو دير الزور المحاصرة.
معركة السخنة كانت بمجملها تتمثل بخطط التطويق والنار، وهنا اختارت وحدات الجيش والحلفاء تثقيل النار لتخفيف عدد الشهداء ومنع التنظيم من تشكيل جبهات التحام يكسب فيها مميزات الدفاع المباشر والتحصين طويل الأمد.
الجيش اختار التلال الحاكمة من جنوب وغرب السخنة ليمكـّن المدفعية والقذائف من منع تحركات أرتال التنظيم القادمة بمعظمها من الرقة، وكذلك لتدمير كتلة الجسد الإرهابي ومنع أي حالة ممكنة للارتداد على شكل هجمات مفاجئة من مجموعات أو انتحاريين.
خسارة داعش في السخنة لا تقل عن خسائره في تدمر، وبتحرير المدينة فقد التنظيم ملاذ المؤن الأخير في كل رقعة البادية السورية وخسر مسارات تحركه كما بات وجود إرهابييه في ريف حماة الشرقي مهدداً بالكامل، إلى جانب الهزيمة المعنوية لكونه اعتمد على نخب من الأجانب والمتزعمين للبقاء في السخنة أكبر وقت ممكن.
شرق حمص وحماة وجنوب الرقة وغرب دير الزور، كلها مساحات في رقعة مترامية الأطراف، مثلت السخنة فيها عقدة وصل وربط مريحة ستمكن الجيش من تضييق المساحات الخطرة وتحقيق مكسب جغرافي احترافي وحيّز إستراتيجي يقرع أبواب كل مدن الشرق السوري.
التحرك في منطقة السخنة يتوازى مع كل الخطوات العسكرية على طول البادية الممتدة طبيعياً من شمال السويداء وحتى جنوب الرقة وصولاً إلى الحدود الشرقية، لكن جودة النصر في السخنة تأتي من كونها المدينة الثانية في البادية من حيث الكبر بعد تدمر.