واشنطن والمجموعات التي تدعمها

| تحسين الحلبي 

منذ بداية الستينيات حاولت الإدارات الأميركية إنشاء منظمات ومجموعات مسلحة في آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا تحت شعار «محاربة الشيوعية»، وقامت وكالات المخابرات الأميركية بتسليح وتمويل وحماية هذه المجموعات، وكانت أكبرها حجماً وتسليحاً هي مجموعات «الفيتكونغ» التي وظفتها لمحاربة جيش فيتنام الثوري بقيادة هو شيه مينه والذي رفض تقسيم فيتنام إلى جنوبية وشمالية وفي النهاية لم تستطع هذه القوة الأميركية العظمى حماية هذه المجموعات المعادية للفيتناميين وتخلت عنها عام 1975 حين انتصر جيش فيتنام الثوري وانتشر في سايغون وفر السفير الأميركي من نافذة سفارته بطائرة هيلوكبتر نقلته من سايغون.
لم تكن هذه هي التجربة الأولى التي عجزت فيها الولايات المتحدة ومخابراتها المركزية عن حماية مجموعات مسلحة وميليشيات دعمتها بهدف فصل جزء من الدولة أو السيطرة على نظام الحكم، وفي كتاب صدر بالإنكليزية في نيويورك عام 1991 يكشف الكاتب جورج اليكساندر أن الإدارات الأميركية قامت منذ عام 1981 حتى 1991 بإنشاء مجموعات مسلحة في نيكاراغوا للعمل ضد النظام الثوري ومجموعات مسلحة كوبية للعمل ضد الرئيس حينها فيدل كاسترو، ومجموعات أخرى في كولومبيا والكونغو وأنغولا في إفريقيا، والمجموعات المسلحة الإسلامية التي وظفتها الـ«سي آي إي» لإسقاط النظام الجمهوري في كابول.
والمخابرات المركزية الأميركية سلحت وأشرفت على عمليات لمليشيات بشكل علني وأخرى بشكل سري، وكانت منظمة بن لادن التي عملت ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، أهم نموذج قدمت واشنطن لها الدعم لضرب السوفيت، ثم وجهتها بشكل سري من خلال تأثيرها على قياداتها الإسلامية المتشددة إلى العمل ضد العراق وسورية والجزائر وبقية الدول الوطنية القومية في العالم العربي.
تؤكد تجارب عمليات المخابرات المركزية الأميركية في تشكيل هذه المجموعات وتسليحها ودعمها، أن معظمها لم تستطع حمايته وبقاءه، فهذا ما حدث في معظم دول أميركا اللاتينية وفي عدد من الدول الإفريقية، ولم يبق في العالم العربي سوى المجموعات المسلحة التابعة للقاعدة وداعش اللتين توظف واشنطن دورهما وعملياتهما ضد أعدائها وليس ضد أصدقائها من الدول العربية المتحالفة معها، بل إن الجميع يدرك أن هذه الدول وخصوصاً السعودية وقطر وتركيا هي التي تولت مهمة تمويل وتسليح هذه المجموعات، إضافة إلى كل مجموعات المعارضة السورية والليبية الإسلامية المتطرفة، ولم تنجح حتى الآن، ولن تنجح أي ميليشيا مسلحة تتحالف مع واشنطن.
هذا هو التاريخ أمامنا في آسيا وفي إفريقيا وفي أميركا اللاتينية، فواشنطن تستخدم كل من تدعمه من هذه المليشيات المسلحة لأغراض تكتيكية تخدم إستراتيجيتها، وحين تجد أن هذا الدعم استنفد أغراضه أو سيعرض إستراتيجيتها الشاملة في منطقة ما، كالشرق الأوسط، لأضرار كبيرة فسيكون من الطبيعي أن تتخلى عن أي ميليشيا كانت تقدم الدعم لها.
كانت تجربة قيادة كردستان العراق من مسعود برازاني وغيره، خير مثال، على أن واشنطن لم تستطع سوى المحافظة على الأمر الواقع بين حكومة العراق الوطنية وقادة إقليم كردستان العراق، رغم أن هذه القيادة الكردية كانت تتلقى الدعم والإسناد من تل أبيب وواشنطن منذ عام 1962، ولم تعد تخفي هذا الموضوع بعد أن تحقق لها حكم ذاتي، تريد الآن الانتقال به إلى مرحلة الانفصال عن السيادة العراقية المشتركة.
إن الإدارة الأميركية لن يكون بمقدورها الإعلان عن دعمها للانفصال، وهذا ما أشار إليه «معهد واشنطن» في 8 آب الجاري حين نصح البرازاني «بإجراء حوار جدي مع بغداد لإيجاد حل غير الانفصال»، ويبدو أن واشنطن تدرك جيداً أن إجراء كهذا سيولد وضعاً مضاداً في العراق وخصوصاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أن إسرائيل ستكون أول دولة تعترف «بدولة كردستان المستقلة» عن العراق وعقد اتفاقات تدعم انفصالها!
وأعلنت دول أوروبية أنها ترفض أي إجراء أحادي يتخذه البرازاني في هذا الاتجاه، وهذا يعني عدم وجود توافق أميركي أوروبي على تأييد هذا الانفصال.
وفي دراسة مطولة نشرها مركز الأبحاث الأميركي «راند» بعنوان «مضاعفات الإعلان عن انفصال كردستان العراق» قبل عام، يستنتج المركز أن الوضع الحكومي العراقي والجيوسياسي المجاور من إيران إلى تركيا إلى سورية، سيحول دون نجاح إجراء كهذا بل، إن واشنطن ستجد نفسها في وضع لا يمكنها فيه حماية هذا الإجراء على المدى القريب أو البعيد رغم الوجود العسكري الأميركي في العراق.
فإذا كانت أكبر قوة عسكرية متفوقة من حلفاء واشنطن، وهي إسرائيل، تضع حسابات كثيرة لقدرات إيران وسورية وحزب الله في هذه الأوقات فالسؤال هو: هل تجازف واشنطن بالتسبب بحرب شاملة وواسعة في المنطقة تشارك فيها دول ما تزال واشنطن تتجنب الاشتباك معها مباشرة؟!
إن تاريخ واشنطن في دعم حلفائها يثبت دوماً أنه لن يحقق لهؤلاء الحلفاء أي هدف يتعارض مع حقائق هذه المنطقة، وقدرة دولها المناهضة للهيمنة الأميركية على إحباط مشاريع التقسيم فيها.