كل شيء انتهى أو ارتسمت نهاياته في سورية

| عبد المنعم علي عيسى

على الرغم من مناخات التوتر التي تشوب العلاقة الروسية الأميركية والتي أكدها الرئيس دونالد ترامب في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة، حاصراً إياها بالأزمة الكورية والملف الإيراني بكل تشعباته، إلا أن ذلك كما يبدو لا ينسحب على الأزمة السورية، فالتوافق، أو التفويض، الأميركي لموسكو، باد في الملمس والنظر والسمع، من دون أن يعني ذلك إمكان الوصول إلى صفقه نهائية فيما يخص سورية ما لم يتم الوصول إلى صفقة نهائية كبرى تبدو بعيدة المنال حتى الآن.
من الممكن القول: إن ما يحكم الأداءين الأميركي والروسي هو توافقات مرحلية ناجمة عن لقاء مسؤولي البلدين، وهي مرهونة بمعطيات محددة، وكذلك بفترة زمنية معينة، وعندما تصبح تلك التوافقات فاقدة لصلاحيتها، يصبح الأمر حينها بانتظار لقاء آخر ينجم عنه توافق مرحلي آخر.
في السياق تبدو موسكو لتوها قد أحست بثقل التزاماتها التي تعهد بها الرئيس فلاديمير بوتين لنظيره الأميركي إبان لقائهما في هامبورغ في تموز الماضي، وما نقصده هنا هو الالتزام الروسي بإخراج جميع الميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية من دون تفريق بين تلك التي جاءت بطلب من الحكومة السورية أو التي جاءت استجابة لفتاوى وهابية عبر شركات سعودية متخصصة في إراقة ونقل الدماء، وهذا ما يؤكده ما ذهب إليه وزير الخارجية الروسي مؤخراً في 23 من الجاري عندما أشار إلى وجود شرعي وآخر غير شرعي، لكن من دون أن يعني ذلك الحصول على موافقة أميركية، فالمسألة برمتها هنا يقصد بها حزب اللـه والحرس الثوري الإيراني، وهو ما يمثل مطلبا إسرائيليا بالدرجة الأولى وأميركيا بالدرجة الثانية.
في ضوء كل تلك المعطيات، يمكن توصيف العلاقة الأميركية الروسية في سورية بأنها مشبعة بآمال التقارب، لكنها غارقة في تضارب المفاهيم، ولربما كان ما حدث مؤخراً يمثل أحد أهم التجليات لهذه الفرضية، فمناخات التقارب هي التي استولدت ما جاء في مؤتمر إستانا في جولته السادسة منتصف الجاري عندما ألحقت مدينة إدلب بمناطق تخفيف التوتر السورية الثلاث التي سبقتها، إلا أن تضارب المفاهيم هو الذي استولد ردود الفعل على ذلك الإلحاق، وهو المتمثل بإطلاق جبهة النصرة، إضافة إلى ميليشيات «الحزب التركستاني» و«جيش العزة»، لمعركة «يا عباد اللـه اثبتوا» بعد أربعة أيام من إستانا، في مسمى يشير إلى أن من يطلق التسميات على تلك المعارك يدرك أن الزمن «النصراوي» الآن هو للهروب لا للثبات، فالمعركة الأخيرة كانت بإيعاز مباشر من واشنطن، كما قالت وزارة الدفاع الروسية بعد 24ساعة على انطلاقتها، والمؤكد هو أن الأميركيين قد عملوا، ولا زالوا، على استخدام «النصرة» وأخواتها كعامل استنزاف للجيش السوري الذي يتابع السير بخطوات متسارعة نحو البوكمال، بغرض إطباق سيطرته عليها، في مسعى واضح لتأمين المحور الممتد من دير الزور مرورا بالبوكمال والقائم إلى بغداد، والذي من شأنه أن يحدد بدرجة كبيرة التوازنات القائمة في الشرق السوري.
اللافت هو أن «قوات سورية الديمقراطية – قسد» كانت قد عبرت مؤخراً عن استعدادها للعب ذلك الدور إذا ما طلب منها، وهو ما يفسر الاحتكاكات التي شهدها ريف دير الزور ما بين «قسد» وبين الجيش السوري ولا يمكن بأي حال من الأحوال وضع تلك الاحتكاكات في سياق آخر غير السياق سابق الذكر.
على الرغم من التصعيد غير المسبوق الذي ذهب إليه ترامب في خطابه أمام الأمم المتحدة، فهو تحدث مثلا عن تدمير كوريا الديمقراطية، كما ألمح إلى إمكان القيام بإلغاء الاتفاق النووي الإيراني من طرف واحد وما ستخلفها تلك الخطوة من تداعيات خطرة على النظامين الدولي والإقليمي، إلا أن موسكو تبدو مرتاحة للتوجهات الأميركية التي أعلنها ترامب في خطابه، فهو أشاد باعتزاز الروس بقوميتهم التي يعملون على استنهاضها الآن ضارباً عرض الحائط بإمكان أن تمثل تلك الإشادة مادة دسمه لتسعير «روسيا غيت»، أما حديثه عن الانتقام الروسي من الغرب في ليبيا في إشارة إلى خديعة الموافقة الروسية على القرار 1973 في آذار 2011 لتكتشف موسكو سريعا نوايا غربية مريبة لا علاقة لها بذلك القرار الذي استخدم كمطية للعبور إليها، هذا الحديث يمكن النظر إليه كحالة استعداد أميركية باتت قائمة للذهاب نحو عالم متعدد الأقطاب، وفي السياق نفسه يمكن النظر إلى ما قاله الأمين العام لحلف الناتو ينس ستوليتنبرغ للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي التقاه على هامش اجتماعات الدورة 72 للأمم المتحدة، بأن دول الحلف تتمتع بحيز من الاستقلالية في ما يخص خططها للتسلح، في إشارة أريد منها إفهام هذا الأخير بأن توقيع بلاده لصفقة شراء صواريخ أس 400 الروسية لم يترك أثراً سلبيا فيما يخص نظر الناتو لتركيا، وتلك المؤشرات فرضتها حال الانزياحات الحاصلة في غير مجال وفي أماكن عدة وهي ذات تأثير كبير على موازين القوى العالمي القائم ويمكن الإشارة إلى واحدة من أهمها عندما أعلنت مؤخراً الصين، التي تحتل المركز الثاني عالميا كمستورد للخام، عن عزمها على تغيير عقودها الآجلة للنفط إلى اليوان بدلا من الدولار، وكذلك ربط عملتها بالذهب بدلا من ربطها بالدولار وهو ما يمثل انقلابا جذريا في الاقتصاد العالمي وموقع الاقتصاد الأميركي فيه.
المؤكد أن خسائر واشنطن ستكون بلا حدود وعلى رأسها خسارة الوعاء الاستثماري الذي يمثله الدولار نفسه حيث عالميته وحدها تشكل مصدر ريع كبير للاقتصاد الأميركي قد يصل إلى حدود الـ20 بالمئة من الناتج القومي الأميركي، إضافة إلى أن الخطوة الصينية سابقة الذكر سوف تؤدي كما يقول خبراء، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وهو ما لا يتناسب مع المصلحة الأميركية العليا التي تتضح جليا في السعي الأميركي الحثيث على امتداد العقد الأخير إلى المحافظة على أسعار منخفضة للنفط تكون في حدودها الدنيا، ومن المؤكد أن الاندفاعة الصينية في هذا الاتجاه، ما كان لها أن تحدث لولا وجود رؤيا تقول إنه آن الأوان لكي تتربع الصين على القمة الاقتصادية العالمية بعدما احتكرتها الولايات المتخذة لسبعة عقود مضت كان وطؤها العالمي ثقيلا على الجميع.
من المؤكد أن روسيا متمسكة بوحدة وسيادة سورية على أراضيها، إلا أن إطلاق يديها كليا لإعادة تشكيل العجينة السورية من جديد، هو أمر يحمل الكثير من المحاذير والمخاطر، ولا بأس هنا من استعراض بعض النظريات الغربية التي تستكشف في المطالب الروسية من الصراع الدائر على الأراضي السورية على الرغم مما يمكن أن تحتويه تلك النظريات أو التحليلات من دس للسم في العسل، إلا أنه من الواجب أخذها بعين الاعتبار، يقول تايلر زوغواي في مقال له نشره موقع «ذا درايف» الأميركي يوم 16 من الجاري إن روسيا تعمل على تحويل سورية إلى منصة تسويق للأسلحة الروسية، وهذا الأمر بالنسبة إليها هو فوق كل اعتبار، ويضيف مدعما فرضيته السابقة أن موسكو كانت قد أدخلت المقاتلة المتطورة ميغ 29 إلى سورية يوم 13 الجاري وهي لم تدخلها عندما كانت النار السورية في أوجها، فما الذي يدفعها الآن إلى إدخالها؟ ليجيب هو على تساؤلاته تلك بأن الأمر يندرج في سياق الاختبار العملياتي للطائرة، والأسلحة بشكل عام، وفي الآن ذاته يندرج في سياق عرض موسكو لأسلحتها والترغيب بها إقليميا ودوليا، وهذه الفرضية فيما لو صحت أو بمعنى آخر أنها تشكل الأولوية رقم واحد بالنسبة للروس، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى حدوث فجوات ما بين الأداءين الروسي والسوري بحكم الاختلاف في المنطلقات وفي المرامي.
اليوم ومهما قيل فإن عربة التسوية السورية قد باتت على سكة الحل وهو ما قرأته جيداً العديد من الدول الإقليمية، فتنوعت ردات فعلها، وآخر الردود لدى البعض كان في سعي حثيث إلى القيام بتصفيات لقيادات وكوادر التنظيمات الإسلامية التي صدرتها قبل أعوام بعد انتهاء فترة صلاحيتها وخشية عودتها إلى المجتمعات التي خرجت منها، وهو ما يفسر مسلسل الاغتيالات الذي تشهدها جبهة النصرة قبل حين في مؤشر يؤكد وجود قرار إقليمي مفاده أن كل شيء قد انتهى أو ارتسمت نهاياته في سورية.