مع اقتراب الحسم في البوكمال واشنطن تسخّن دبلوماسياً

| أنس وهيب الكردي

مع تحول الأنظار إلى مدنية البوكمال شرقي دير الزور على نهر الفرات والواقعة على الحدود مع العراق، سخنت الدبلوماسية الأميركية الأجواء في مسعى للضغط على الحكومة السورية وحلفائها.
الضغوط التي مارسها رئيس الدبلوماسية الأميركية ريكس تيلرسون، جاءت كإشارة على تصاعد الاشتباك الأميركي الروسي حول مصير الريف الشرقي من محافظة دير الزور، وبقلبه مدينة البوكمال مفتاح السيطرة على المناطق الواقعة في محافظة دير الزور شرقي نهر الفرات.
بعد أشهر من الغموض، فرغ الأميركيون من وضع إستراتيجيتهم للشرق الأوسط ما بعد تنظيم داعش الإرهابي، وتتمحور حول التصدي للنفوذ الإيراني، ونقطة البداية منع الحكومة السورية وحلفائها من الإيرانيين والروس والمجموعات العراقية وحزب اللـه اللبناني، من مد خط بري يصل من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت على البحر الأبيض المتوسط، وعبر ريفي دير الزور وحمص الشرقيين، على أن يتوازى ذلك مع ضعضعة النفوذ الإيراني في العراق عبر ربط رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بمحور السعودية الإمارات.
هذه الإستراتيجية الأميركية تقتضي توفير أقصى درجات الدعم للمليشيا «وحدات الحماية الشعبية» حليفة الولايات المتحدة، كي تتمكن من قطع الطريق على قوات الجيش العربي السوري المتقدمة على الضفة الغربية لنهر الفرات، وتبقيها محصورة خلف النهر.
وفي مقابل تنفيذ هذه المهمة، قبلت واشنطن ببرنامج «حماية الشعب» لتنفيذ انتخابات من ثلاث مراحل «تم تنفيذ المرحلة الأولى منها»، تتوج بتشكيل حكومة في المناطق التي تديرها الميليشيا في شمال سورية في الحسكة وعين العرب وتل أبيض ومنبج وعفرين.
شددت واشنطن مواقفها من العملية السياسية السورية، وحرص تيلرسون على لقاء المبعوث الأممي الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا لمنعه من الارتماء في أحضان الروس، والسير في ركاب المبادرة الروسية لعقد ما سماه الروس «مؤتمر الشعوب السورية» في حميميم بريف اللاذقية.
بعد اللقاء عاد الوزير الأميركي إلى لهجة متطرفة حيال بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، والذي تعتبر المواقف الأميركية بشأنه بمثابة باروميتر لتحسن العلاقة الروسية الأميركية أو تشنجها.
في غضون ذلك، لعبت الدبلوماسيتان الأميركية والبريطانية بمجلس الأمن الدولي ورقة الكيميائي، في مسعى لابتزاز الروس أمام الرأي العام الدولي.
السياسة الأميركية الجديدة التي عبرت عنها تحركات تيلرسون وتصريحاته، تشكل جزءاً من إستراتيجية واشنطن للحد من نفوذ إيران الإقليمي.
ونتيجة الانخراط الدبلوماسي الأميركي المستجد، اكتفى دي ميستورا بالإشادة بالنوايا الروسية لعقد مؤتمر حميميم، لكنه شدد على أولوية مسار جنيف ووضع للجولة المقبلة في تشرين الثاني المقبل أجندة تركز على الدستور ومعايير الانتخابات، في حين لا تقبل الحكومة السورية بأكثر من بحث سبل تحقيق مصالحة وطنية في سورية، وتحسين الوضع الإنساني في البلاد، وصولا إلى إمكان تعديل الدستور وإجراء انتخابات برلمانية في إطار الحل السياسي الشامل.
في المقابل، لا تبدي موسكو أي رغبة في التنازل أمام المنطق الأميركي، وبالأخص أن الابتزاز الغربي سواء بعملية استعادة الأرض السورية من تنظيم داعش أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب، لا تترك الروس أمام خيار سوى المضي في اجتراح طريق منفصل لتسوية الأزمة السورية، طريق يمر عبر الصين، وتجمع دول جنوب شرق آسيا آسيان، ومجموعة الدول الصاعدة البريكس، إلى جانب الصين وروسيا وكل من البرازيل، وجنوب إفريقيا، والهند.
يكاد التسخين العسكري والدبلوماسي الأميركي في المنطقة، يخلط الأوراق، على حين أنه من غير الواضح كيف سيكون بإمكان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قلب المعادلة الإقليمية التي أرستها سياسات سلفه الرئيس الأسبق باراك أوباما والعملية الروسية في سورية، وما تراكم من تغييرات كبرى مؤخراً جراء عملية أستانا، ولاحقاً سيكون مصير اتفاق التهدئة في جنوب سورية الذي توصل إليه ترامب ونظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية في شهر تموز الماضي، على المحك أيضاً.