فيلم سعودي فاشل

| رفعت البدوي 

في الشهر الأخير من سنة 2010، أي قبل اندلاع الأحداث في سورية بحوالي أربعة أشهر، قدّمت بحثاً علمياً مستفيضاً لأحد مراكز الدراسات في السعودية تضمن تصوري لمستقبل الوطن العربي في ظل تنامي الحركات الإسلامية المتطرفة وسعيها الدؤوب للوصول إلى السلطة.
فور الانتهاء من مناقشة البحث تلقيت دعوة لإجراء لقاء جانبي جمعني مع رئيس المركز المقرب من مركز القرار السعودي اللواء المتقاعد أنور عشقي مبادراً للاستفسار عن سبب عدم تطرق البحث لوضع أي تصور عن الأوضاع المستقبلية في سورية.
عندها أدركت الاهتمام البالغ والرغبة الجامحة عند السائل السعودي في معرفة واكتشاف الأوضاع السائدة في سورية، فكان جوابي الطبيعي أن سورية تمتلك نظاماً قوياً، كما سبق لها المرور بتجربة مريرة مع الإسلام المتشدد في الثمانينيات من القرن الماضي، استطاعت خلالها من القضاء على أي ظاهرة دينية متشددة تهدد أمن سورية ونجحت في تثبيت دعائم الحكم القوي فيها.
وأكملت في شرح الوضع في سورية بشكل مسهب يدعو إلى الطمأنينة، عندها لاحظت التوجم على وجه اللواء السعودي، ثم توجه إلي بسؤال آخر عن رأيي بالحلف الإستراتيجي بين سورية وإيران؟
مرة أخرى بادرت اللواء السعودي بجواب تفصيلي قائلاً له: إن هذا التحالف هو تحالف ضروري ويتنامى بشكل تصاعدي وتكاملي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وذلك لتعزيز قدرات سورية في مواجهة العدو الإسرائيلي، مرة أخرى انتفض اللواء السعودي غاضباً ليقول لي وبالحرف: يجب أن تعلم وكن على يقين أننا في دول مجلس التعاون الخليجي لن نرضى باستمرار هذا التحالف الإستراتيجي بين سورية وإيران، وأننا اتخذنا قراراً حاسماً بوضع كل إمكاناتنا السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية بهدف فك هذا التحالف السوري الإيراني واستعادة سورية للحضن العربي.
استشعرت رغبة اللواء السعودي في توجيه رسالة تهديد، نهضت واقفاً موجهاً كلامي للواء السعودي لأقول: إن ما تفضلت به غير قابل للتنفيذ بل إنه أضغاث أحلام، وأثناء محاولتي إنهاء اللقاء والسير تاركاً السائل لأحلامه، فإذا به يمسك بي ويقول: اسمع أنا أعلم أنك تحب سورية وتغار عليها وتدافع عنها، لكن أقول لك إن لم تلتزم سورية بفك تحالفها الإستراتيجي مع إيران والعودة للأسرة العربية، فإن أحداثاً دامية تنتظر سورية ستقلبها رأساً على عقب، وانتهى الاجتماع وقفلت عائداً إلى بيروت بشكل فوري لأدخل مع نفسي في حالة من العصف الفكري الجدي مع تصور سيناريوهات محتملة لأحداث مخيفه قادمة.
أذكر ما حصل معي لأبين أن التآمر السعودي على سورية ليس وليد الزمن القريب بل إن التخطيط لتنفيذ المؤامرة السعودية الخليجية الأميركية الإسرائيلية على سورية جرى الإعداد له منذ زمن طويل بحجة التحالف مع إيران.
اليوم وبعد تراكم الانتصارات في سورية وقرب إعلان الانتصار السوري على أضخم مؤامرة كونية، وفشل المشروع الأميركي السعودي مقابل خسارة السعودية لمعظم أوراق الفتنة في المنطقة بدءاً من العراق وسورية واليمن، لم يعد بإمكان السعودية تحمّل سلسلة الهزائم المتتالية وخسارة نفوذها في المنطقة، ولم يتبق لديها أي إمكانية لمواجهة إيران في أي من الساحات إلا الساحة اللبنانية وذلك في محاولة لاستعادة بعض من نفوذها أو التعويض عن خسائرها.
هاهو لبنان يتعرض لعملية تعدٍّ سعودية فاضحة على كرامته الوطنية، مستبيحة سيادته، مغتصبة حرية قراره، مستهينة من قامات الرئاسة فيه، تلخصت في استدراج رئيس حكومة لبنان سعد الحريري واعتقاله في العاصمة السعودية ووضعه تحت الإقامة الجبرية وإرغامه على إعلان استقالته في ظروف يشوبها الغموض، مرفقة مع التهويل والوعيد على لبنان واستعمال حياة الحريري كوسيلة لاستجرار الفتنة كوقود مشتعل في مواجهة إيران على الساحة اللبنانية.
لقد أثبتت السعودية فشلها في كل المنطقة، وها هو رئيس وزراء الجزائر أحمد أويحي يقول: إن دولة خليجية دفعت ما يقرب من 150 مليار دولار لتدمير سورية والعراق وليبيا والجزائر، في إشارة واضحة إلى توجيه أصابع الاتهام نحو المملكة السعودية.
إن سياسة السعودية الرعناء، أضحت كفيلم فاشل وخصوصاً بعدما حاولت الرياض مواجهة طهران في العراق، فإذا بالعراق يصبح أكثر التصاقاً بإيران، والسعودية تقصدت تدمير سورية بهدف فك تحالفها مع إيران، فإذا بسورية تعزز تحالفها الإستراتيجي مع إيران، والسعودية حاولت إغراء روسيا لثنيها عن التعاون مع إيران فإذا بإيران أضحت الشريك الأساسي لروسيا، وها هي السعودية سعت لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران فإذا بأوروبا تصبح المدافع الأول عن الاتفاق الإيراني النووي، وها هي السعودية دفعت المليارات لإسقاط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومنعه من التقارب مع إيران فإذا بإيران تصبح الداعم والشريك لأردوغان، وها هي السعودية دفعت المليارات لضرب اليد الإيرانية المتمثلة بالحوثيين في اليمن فإذا بالحوثيين أكثر التصاقاً بإيران، وها هي السعودية راهنت على تنظيمات إرهابية ودفعت المليارات لاستعمالها في لبنان فإذا بالمقاومة والجيش اللبناني يقودان حملة عسكرية نجحت في استئصال الإرهاب من لبنان، وها هي السعودية تحاول قلب النظام في قطر فأصبحت قطر حليفة لإيران.
سورية باتت قريبة من إعلان النصر المبين، أما المملكة السعودية فهي أمام مخاض عسير، والأمور تسير باتجاه تولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مقاليد الحكم فيها، وفي حال تمكنه من إحكام قبضته والإطباق على ثروات الأمراء وثروات المملكة فإن ذلك يعني إنجاز الصفقة الكبرى القاضية بطمس القضية الفلسطينية والاعتراف بالكيان الصهيوني ورفع العلم الإسرائيلي في العاصمة السعودية الرياض.
وأما في حال إخفاق محمد بن سلمان في الإمساك والإطباق والسيطرة على كرسي الحكم في السعودية فإن المملكة مرشحة لتصبح ممالك سعودية، ومما لا شك فيه وفي كلتا الحالتين فإننا سنشهد عرضاً لفيلم سعودي فاشل.