المعارضة.. إبحار بمجاذيف متكسرة

| عبد المنعم علي عيسى

تشي المناخات التي ترافقت مع الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف المنعقدة أواخر الشهر المنصرم، بأن الجميع كان يتعامل معها كوقت بدل عن ضائع، ما عدا المعارضة السورية التي كان لها تعاط مختلف معها، الأميركيون كانوا شبه غائبين إلا أن ظلالهم كانت حاضرة وهم اليوم في سياق إعادة حساباتهم برمتها في سورية، بدءاً من التقارير التي تشير إلى إمكان زيادة عديد القوات الأميركية على الأراضي السورية تحت ستار مواجهة النفوذ الإيراني، كما قالت «الواشنطن بوست» أواخر الشهر الماضي، مروراً بمسعى أميركي ينحو باتجاه زيادة المسافة مع حلفائهم الأكراد بذريعة هزيمة داعش النكراء في سورية والعراق، ووصولاً إلى سلوكيات ميدانية تؤكد أن الأميركيين ماضون في هذه المرحلة نحو فرز «قوات سورية الديمقراطية – قسد» إلى مكوناتها الكردية والعربية في مؤشر إلى بحث واشنطن عن حليف عربي بعدما تكشف حجم العزلة التي فرضت على الحليف الكردي في أعقاب استفتاء أيلول وما أفضى إليه، ومن المؤكد أن هذا الأمر الأخير قد أحدث جلجلة كبرى في أوساط القوى والتيارات الكردية، وفي الوقت الذي استطاعت فيه بعضها قراءة اتجاه الرياح المقبلة، أصر آخرون على تموضعهم القديم القاضي بالاحتفاظ بـ«مكاسب» الإدارة الذاتية و«روج آفا» واستحالة التخلي عنها، لكن دون أن يتضح إلى الآن كفة من هي الراجحة بانتظار تبلور المواقف والتموضع النهائي لكل الأطراف.
الخليجيون بدورهم كانوا غائبين أيضاً بمن فيهم السعوديون الذين قرروا الانكفاء كما يبدو بعيداً عن النار السورية ولملمة الجراح تبعاً لأولوياتها، وربما تمظهر ذلك بوضوح في محاولة الاختراق الحاصلة في اليمن والتي أدت إلى حال من الاقتتال في معسكر الخصوم كانت قد وصلت إلى ذروتها أمس باغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبد اللـه صالح بيد حلفاء الأمس، وذلك قبل يومين من تصريحات نارية لصالح بدأت تشهد لاحقا تراجعاً عبر عنه البيان الذي أصدره حزب المؤتمر بالقول: «إن تصريحات صالح قد فهمت خطأ وهو لا يزال ضد العدوان السعودي»، تلك التطورات وإن كانت ستترك شرخاً كبيراً في معسكر الحليفين المعادين للرياض، إلا أنها تمثل إخفاقاً سعودياً كبيراً من شأنه أن يرتد على غاياته، ومن المهم هنا، أن نشير إلى أن الرياض رمت بكامل ثقلها وراء محاولة صالح الأخيرة حتى إنها عرضت عليه إيصال نجله إلى السلطة في حال استجابته للطرح السعودي وهو ما كشفه قول صالح بوجوب حصر السلطة في مجلس النواب اليمني الذي يملك داخله ثقلاً قبلياً وعشائرياً راجحاً.
في الغضون بدا الإيرانيون وكأنهم جاهدون أكثر من أي يوم مضى لاحتواء أي خلافات يمكن أن تفرزها تطورات الأحداث مع الروس في سورية، وقد نجحت قمة سوتشي المنعقدة في اليوم الأخير من الشهر المنصرم بين زعيمي البلدين، في وضع صمام أمان عبر تسليم طهران دفة القيادة لموسكو في إدارة المسار الهادف إلى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، وهو أمر كفيل بوضع ضوابط من شأنها أن تكون داعمة للتحالف الروسي الإيراني.
في السياق تبدو حالة القلق الإسرائيلية ظاهرة جلياً عبر العديد من المؤشرات التي تطلقها تل أبيب بين حين وآخر، وربما تكاثفت هذي الأخيرة بدءاً من الأسبوع الأخير للشهر المنصرم الذي شهد إطلاق تهديدات لمسؤولين إسرائيليين بالوكالة كانت قد وصلت إلى حدود التلويح بالتدخل لتغيير المعادلات العسكرية القائمة في الداخل السوري، وعلى الرغم من أن تلك التهديدات لا تعدو أن تكون استفزازية إلا أنها تخفي، إضافة إلى سلوكيات أخرى متراكمة، في بواطنها أمراً مهماً، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المهدد بحبل الفساد الذي يلتف حول عنقه وهو في الآن ذاته لا يبدو قادراً على كسب موافقة المؤسسة العسكرية للقيام بمغامرة قد تؤدي إلى إنقاذه، يبدو ساعياً نحو من يمكن أن يقدم له خدمة ينتظرها عبر إقدام أحد الأطراف على إشعال فتيل الحرب، وعلى الرغم من الأثمان الباهظة لهذي الأخيرة إلا أنه سيكون بمقدوره في حينها أن يقول بأنه أضحى في موقع الدفاع عن النفس، وتلك مسألة تبدو في غاية الأهمية في ظل عدم توافر قيادة قادرة على تحمل مسؤولية اتخاذ قرار الحرب بعدما كانت القيادات السابقة تنظر إلى أمر كهذا على أنه أهون الشرور في كل الأحوال للخروج من مأزق داخلي كان أم خارجي، في حين أنه بات اليوم أعقد القرارات المصيرية التي قد تمضي مراحل ومراحل لا تتوافر فيها القيادات القادرة على ملامسة ذلك الجمر، فالزمن الذي كان فيه سلاح الجو الإسرائيلي يحسم المعارك قبل أن تبدأ قد انتهى، ولم يعد لهذا الأخير سوى الذكريات التي يجب على قياداته اجترارها أمام جنودهم لشحذ هممهم.
الآن، ربما كانت هذه الصورة التي رسمناها كافية لإعطاء فكرة عن المناخات التي انعقدت في أتونها جولة جنيف الثامنة، وعلى الرغم من أن المفاوضات ليست إلا استمراراً للحرب بطرق أخرى، أو بمعنى آخر أنها ليست إلا انعكاسا لهذي الأخيرة وللمعطيات التي يفرزها الميدان وكذا موازين القوى الإقليمي والدولي أيضاً، إلا أن المعارضة السورية حاولت أن تجرب الإبحار بعكس ذاك التيار، الأمر الذي تمثل برفع سقف المطالب إلى الحدود العليا حتى وإن بدت تلك المطالب غير واقعية أو إنها لا تملك من المقومات ما يجعلها كذلك، والسؤال الأبرز هنا هو على ماذا تستند المعارضة السورية في مطالبها تلك؟ وإذا ما قمنا بمحاولة الإجابة عن هذا السؤال الأخير نجزم فنقول: إن المعارضة تدرك عبثية تلك المطالب جيداً إلا أنها تتخذها شعاراً لمرحلة عنوانها «تقطيع الوقت» دون النزول إلى الدرك الذي تستوجبه القدرات أو المعطيات المتوافرة بانتظار حدوث متغير ما يمكن أن يؤدي إلى انقلاب جذري في هذه الأخيرة، والرهان هنا تحديداً هو على متغير أميركي أو إسرائيلي على الرغم من أن كلا الرهانين يبدو وكأنه بعيد المنال، فتل أبيب تبدو اليوم كما أسلفنا أعلاه، أعجز من أن تلبي مطالب المعارضة إلا في حدود السياقات السابقة أي تقديم الدعم بالوكالة وهو ما تؤكده تقارير تشير إلى أن ثمة تنسيقاً إسرائيلياً جارياً حالياً مع بعض فصائل ميليشيا «الجيش الحر» لإشعال جبهة الجنوب في درعا، أما واشنطن فهي لا تبدو في حال يتيح لها أكثر مما يتيحه للأولى، ولربما تكون الاعترافات بالكذب التي أقر بها مؤخراً مايكل فلين مستشار الرئيس الأميركي السابق فيما يخص تخابره مع السفير الروسي بطلب من مستشار الرئيس الحالي وصهره غاريد كوشنر هي المدخل لولوج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرحلة الشلل السياسي، لكن دون أن يعني ذلك أنها قد دخلت في طور العد التنازلي لخسارتها السلطة، فأمر من هذا النوع له الكثير من مؤشراته التي لم يظهر منها شيء حتى الآن، بينما حالة التروي التي تبديها قوى الظل الأميركية في هذا السياق يمكن تبريرها بأنها ترى أن ميزان القوى في الشارع الأميركي لا يزال يميل إلى مصلحة ترامب، ومن الصعب عليها أن تقدم على خيار كهذا طالما ظلت كفة هذا الأخير هي الراجحة.