رسالة الصين الجديدة والقدرة على هزيمة العدو

| بسام أبو عبد الله

لم يكن من باب المصادفة وقوف رجل الصين القوي الرئيس شي جي بينغ باللباس العسكري الكامل يوم الأربعاء الرابع من الشهر الجاري لتوجيه خطاب للقوات المسلحة الصينية بمناسبة افتتاح النشاطات التدريبية للعام الجديد، وحسب وزارة الدفاع الصينية فهذه هي المرة الأولى التي تنظم فيها اللجنة المركزية العسكرية وباللباس العسكري.
وقد حث الرئيس الصيني بصفته رئيساً للجنة المركزية العسكرية الجيش على الاستمرار في تطوير تدريباته استعداداً للمواجهة والفوز بالحروب الحديثة مشيراً إلى ضرورة اختبار التدريبات ضمن آفاق إستراتيجية، والتأكد من فعاليتها، داعياً الجيش الصيني إلى الابتكار في طرق التدريب، وتطوير الدعم اللوجستي التدريبي، وتقوية الرقابة على التدريب، كما كان لافتاً قول الرئيس الصيني للضباط والجنود بضرورة أن يكونوا في أعلى درجات الجاهزية للانتشار في معارك حقيقية في أي وقت، وفي أي مكان، مع امتلاك القدرة على هزيمة العدو.
شارك في هذه التدريبات مختلف صنوف القوات البرية، والبحرية، والجوية، والصواريخ، وقوات الدعم الاستراتيجي إضافة إلى قوات الشرطة العسكرية، وهذه هي المرة الثانية التي يظهر فيها الرئيس الصيني باللباس العسكري الكامل، إذ ظهر قبل ذلك أثناء العرض العسكري في ذكرى تأسيس الجيش الصيني.
وتأتي رسائل القوة الصينية هذه في ضوء التطورات العديدة التي تحيط بالصين، ومصالحها في العالم، وخاصة في بحر الصين الجنوبي حيث تعمل الولايات المتحدة على محاصرة الصين في المحيط الهادئ، وتبرز بين فترة وأخرى توترات بين البلدين في تلك المنطقة، إضافة إلى التوتر الناجم عن الأزمة الكورية، وملف الإرهاب، وغيره الكثير من الصراعات الجيوسياسية التي تؤثر في مصالح الصين العالمية بعد إطلاقها مبادرة «الحزام والطريق» عام 2013، وتحولها في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الأخير إلى إستراتيجية واجبة التنفيذ بعد اعتمادها من المؤتمر.
وكان لافتاً ما نقلته وسائل الإعلام الحكومية الصينية عن قيام الرئيس الصيني بزيارة لمعرض يفصل خبرة الجيش الصيني أثناء قتال القوات الأميركية خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
صحيفة «الغارديان» البريطانية نقلت عن أحد الجنرالات الصينيين قوله إن: «المناورات أظهرت أن تطوير الاستعداد للمواجهة أصبح مهمة إستراتيجية الآن بالنسبة للجيش الصيني».
وتأتي هذه المناورات، والمهام الاستراتيجية التي وضعت أمام الجيش الصيني لتتلاقى مع توقعات خبراء كُثر في العالم من أن القرن الحادي والعشرين سوف يكون للصينيين، كما كان القرن العشرين للأميركيين، والتاسع عشر للإنكليز، وهو ما يعني تطور دور الصين على الصعيد الدولي، ونشر جنود لحماية مصادر الموارد في إفريقيا، وطموحاً لأخذ دور في أفغانستان.
وتنشر الصحافة الغربية أيضاً شائعات عن أن الصين تخطط لاجتياح تايوان عام 2020 بعد بث التلفزيون المركزي الصيني مشاهد لجنود يقاتلون قرب مبنى شبيه بمكتب الرئيس التايواني، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مغزى مثل هذه التدريبات، وربطها باحتمالات لحرب في تايوان.
لكن المعطيات والدراسات وكلمات الرئيس الصيني، توحي بوضوح بأنه لا رغبة في زج الصين في أي مواجهات عسكرية مع أي طرف، وخاصة أن مبادرة «الحزام والطريق» التي يعرفها كثيرون باسم «طريق الحريري الجديد» إحياءً للمسار القديم التجاري بين الصين والمشرق العربي والمتوسط باتجاه أوروبا، تطرح أسساً جديدة للتعاون تقوم على العدالة والمساواة، في الفرص التجارية والاستثمارية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومحاولة الصين أن تبقى حيادية في الملفات الشائكة مع إبداء دعمها لتطبيق ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي، ورفض منطق شريعة الغاب الذي عملت واشنطن على نشره خلال العقد ونصف العقد الماضيان.
ويشبه العديد من الباحثين المبادرة الصينية بمشروع «مارشال» الذي طُرح في عهد الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عبر توجيه مليارات الدولارات إلى أوروبا لإنقاذها من آثار الدمار، ومنعها من السقوط تحت الهيمنة السوفييتية، لكن الواقع والاطلاع على المبادرة يجعلان أي باحث يرى أن هناك فروقاً جوهرية، بين المبادرتين، ذلك أن المبادرة الصينية هي رؤية إستراتيجية شاملة للسلام العالمين والتنمية المستدامة، وليست مشروعاً للهيمنة والاحتلال، كما أنها تعكس الحكمة الجماعية للنخب الثقافية والسياسية الصينية تجاه البشرية، ومستقبلها وتهدف لإجراء إصلاح في النظام العالمي الأحادي القطبية، وتستند إلى جذب مناطق جغرافية متعددة، وثقافات مختلفة، وتربط بين التجارة والتنمية، كما توفر المال لمشروعات تنمية البنى التحتية بعيداً عن قروض البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ذات الطابع السياسي، والتدخلي في شؤون الدول، ولذلك فقد أسست الصين «صندوق طريق الحرير»، و«البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية»، وخاصة أن المبادرة ارتبطت بمشاريع عملاقة في البنية التحتية مثل سكك حديد، طرق سريعة عابرة للحدود، موانئ بحرية، مطارات..إلخ.
يرى العديد من جمعيات رجال الأعمال في المنطقة أن مبادرة «الحزام والطريق» سوف توفر استثمارات ضخمة لن تستطيع الدول الغربية وأميركا توفيرها في الوقت الراهن أو المستقبل القريب، إذ ضخت الصين عام 2015 استثمارات بـ160 مليار دولار في 62 دولة انضمت للمبادرة، وعملت على حزام اقتصادي قوي يمر عبر ممرات الصين، روسيا، أوروبا، ومنطقة الخليج، وقناة السويس، وغربي أوروبا، وهو ما سيؤدي لاعتماد الصين على الممرات البحرية عبر المحيط الهندي، ومضيقي هرمز، وباب المندب، وحمايتها لهذه الخطوط البحرية التي أصبحت شديدة الأهمية للصين.
وانطلاقاً من هذا الفهم لمشاريع الصين المستقبلية يمكن إدراك الأسباب التي تقف خلف إبراز القدرات العسكرية الصينية، وبشكل واضح ومعلن، الأمر الذي يُقرأ على أنه رسالة صينية قوية مع بداية العام الجديد للولايات المتحدة وخصوم الصين، وخاصة مع إعلان الصين في إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب للأمن القومي كأحد منافسي، أي أعداء وخصوم، الولايات المتحدة الأميركية.
سفير إيران السابق في الصين فريدون وردي نجاد، يرى في بحث نشرته فصلية طهران لدراسات السياسة الخارجية في العدد الخامس، أن الصين ستعتمد الاستراتيجية التعاملية المتوسطة الأمد، أي إنها ستختار لغة التعاون مع الولايات المتحدة انطلاقاً، حسب رأيه، من الموازنة بين نقاط القوة والضعف، من جهة، والفرص والتهديدات التي تواجهها من جهة أخرى، وحسب السفير الإيراني فإن هذه الاستراتيجية تمنح الصينيين فرصة الحصول على المنافسة مع الأميركيين وتقاسم النفوذ معهم في المساحات المشتركة، وخفض مستوى التحديات الراهنة، وتوفير إمكانية إدارة المنافسة بجدارة.
وأما إذا ازداد مؤشر الخبرات الصينية، وتمكنت بكين من حشد عدد أكبر من الحلفاء على الساحة الدولية، فإنها ستتجه بالتدريج نحو اعتماد إستراتيجية المنافسة، وتوسيع النفوذ، ويؤكد أن هذه الاستراتيجية المتوقعة في العقد الجاري لا تنفي احتمال اعتماد الصين علاقة تنافسية في عملية التوازن الاستراتيجي المتبادل مع الولايات المتحدة، ونجاح الصين في هذا المجال مرتبط بمدى نجاحها في تطوير العلاقات الاستراتيجية مع القوى الإقليمية مثل روسيا وإيران وكذلك سورية.
إن محاولات الولايات المتحدة إبقاء الحرب مستمرة في سورية بطرق مختلفة، والمراوغة بشأن الحل السياسي فيها، وكذلك العمل على تهديد الاستقرار الداخلي في إيران، ودعم الاضطرابات فيها، يأتي ضمن إطار سياق واحد، وهو منع صعود روسيا والصين التي تضع ضمن أولوياتها الاستراتيجية ما يسمى «جدار الدفاع الغربي» في غرب آسيا الذي يستند إلى إيران والعراق وسورية باتجاه المتوسط وهو ما يتطلب دعم التنمية الاقتصادية والتعاون في المجالات كافة لتحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، وهو ما تسعى واشنطن لمنعه بأي طريقة، لكن التنسيق والتعاون بين الصين وروسيا ودول المنطقة في غرب آسيا، سوف يزيد القدرة على هزيمة العدو، أي أميركا، بمخططاتها العدوانية والتوسعية.