النيات والأفعال

| بنت الأرض

منذ أسابيع والعالم الغربيّ وعملاؤه الخليجيون منشغلون بما يدعون أن تكون عليه «النيات السوريّة» بالنسبة لمحافظة إدلب التي تكدّس فيها الإرهابيون والجيش التركي المحتل، وأصدروا التصريحات والكلمات والتحريضات التي تبرهن بما لا يقبل الشك أن الإرهابيين في إدلب هم ضمن آخر أدواتهم في حربهم الضروس لكسر إرادة الشعب السوريّ على مدى ثماني سنوات ونيّف.
إنّ المتابع للهيستيريا السياسيّة والإعلاميّة التي أطلقها الغرب وعملاؤهم عن عزم الحكومة السورية على تحرير إدلب، يرى أن هؤلاء المجرمين من الخونة والمرتزقة الأجانب الذين كانوا منتشرين في أصقاع مختلفة من سورية هم أدوات أعداء سورية الحقيقيين، وأنّ الراعي الحقيقي لكلّ هؤلاء وقائدهم الأكيد ووكيل الغرب وعملائه الخليجيين هو أردوغان الذي استقدم جيشاً وعتاداً لحماية من تبقى من أدوات الغزو الإرهابي الذي شنّه على هذا البلد الآمن المستقرّ.
والمدقّق في كلّ ما صدر عنهم يكاد لا يصدّق أنه يصبّ في قراءة النيات والتنبؤ في حين لا يملكون أيّ معلومة أو إحداثية حوله على الإطلاق. فهل يعقل أن تنشغل دول كبرى بالتحدث عن «نيات» بلد باستخدام الكيماوي؟ أين براهينهم؟ وأين الأحداث الماضية أو الحاضرة التي يرتكزون إليها؟ إن حملتهم هذه تشبه أي حملة يمكن أن تقودها دول بعينها حول نيّة الولايات المتحدة باستخدام سلاحها النووي ضد الصين، أي إنها تخرصات وضرب من الجنون، ولكنّه جنون يهدف إلى إخفاء مشروعاتهم العدوانية على شعبنا، وفي هذا الوقت بالذات. فإذا نظرنا إلى المشهد الإقليمي ندرك أن انتصار سورية النهائي على الإرهاب سوف يغيّر المعادلة في الشرق الأوسط والعالم إلى غير رجعة، وهذا ما لا يريدونه أبداً ويحاولون منع وقوعه بشتى السبل والوسائل، لذلك فقد أصبحت مواقفهم نحو سورية أكثر عدوانية وأكثر انكشافاً بعد أن كانوا يتخفون وراء السعودية وقطر وتركيا، وها هم يعلنون أن الولايات المتحدة قد قررت إبقاء قواتها في سورية، فيما تشارك فرنسا وبريطانيا وألمانيا بشكل علني في عدوانهم الإرهابي الآن، إذ قالت صحيفة «ستراتيجك كلتري» إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان يخطّط في وقت سابق لسحب القوات الأميركية من سورية، ولكنّه يرى اليوم أنه من الضروري أن تبقى القوات الأميركية في هذا البلد، ولاشكّ أن هذا القرار ينسجم تماماً مع إعلانهم عن جدول زمني لإتمام صفقة القرن، وعن تقديم خمسة مليارات دولار للفلسطينيين ليس من أجل بدء المفاوضات ولكن من أجل التنازل عن حقوقهم التاريخية في العودة والقدس وفلسطين. كما أن هذا القرار متناغم مع ما كشفه وزير الاستخبارات والمواصلات في الكيان الصهيوني يسرائيل كاتس عن خطة طرحها ترامب بشأن توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسورية ولبنان والعراق، وينسجم هذا القرار أيضاً مع تعذّر الوصول إلى أي قرار بتشكيل حكومة في لبنان والعراق كي يستمرّ إلهاء بلدين عربيين آخرين بأساسيات العمل، وكي لا يتمكن أي منهما من التفكير بالقضايا العربيّة المصيرية.
أمّا ما يحدث لأطفال وشعب اليمن فهو عار في جبين الإنسانية ودليل قاطع على أن هدف الغرب من حروبه في منطقتنا، ومن خلال أدواته المختلفة، هو إبادة هذه الأمة وتمرير مشروع إسرائيل من الفرات إلى النيل بعد أن اختلقوا حروباً وما يسمى معاهدات سلام استنزفت طاقات العرب ووحدة بلدانهم وصلابة قرارهم. وبما أنهم لا يفصحون عن تاريخهم العدواني إلا بعد حين فعلينا اليوم أن نقرأ ما بدؤوا بنشره عن جرائمهم في العراق، وأن نقيس عليه ونستنتج ما أهداف خططهم «الجديدة» في سورية وما السيناريو البديل الذي يعدّونه بعد أن شاهدوا قرب نهاية أدواتهم الإرهابية وأصابهم الذعر وعبّروا عنه في حالة من الهيستيريا كان يجب أن تكون محطّ سخط وسخرية شعوب العالم أجمع؟ اليوم وبعد خمسة عشر عاماً من احتلالهم الظالم للعراق يفصحون عن هوية الشخصيات التي شاركت في بناء النظام السياسي في العراق من خلف الكواليس، وهم مفوّض الشرطة الأميركي بيرنارد كيرك صاحب السيرة الذاتية المخجلة، وجيمس ستيل الخبير في الحروب الأهلية في أميركا اللاتينية والمسؤول الأول عن تفجير الحرب الأهلية في كولومبيا، وهي أطول حرب أهلية في القرن العشرين، والكولونيل كوفمان الذي عمل كمساعد للكولونيل ستيل في العراق وهو مساعده في حروب أميركا اللاتينية وفي تأسيس منظمات إرهابية في السلفادور وكولومبيا وأميركا الوسطى. وإذا ما قرأنا اليوم مقال الكاتب والصحفي المرموق ألاستر كروك بتاريخ 12 أيلول 2018 الذي يتحدث فيه عن نيات الولايات المتحدة بخلق «مستنقعات» من الأزمات والإرهاب المتواصل لإشغال وإنهاك سورية عبر تغيير خططها من المغادرة إلى البقاء كي تؤسس لسياسات تشبه السياسات التي زرعتها قسراً في العراق، نفهم تماماً كلّ الخيوط التي يمسكون بها من صفقة القرن وتصفية حقّ الفلسطينيين إلى تدمير اليمن وضمان استمرار الشلل السياسي في لبنان والعراق وليبيا، والعمل على خلق أسباب تقسيم وعجز في سورية تستنزف طاقاتها ومقدراتها على مدى سنوات قادمة. لقد كتب دافيد إغنيشوس، المقرّب جداً من الإدارة الأميركية، أن الولايات المتحدة قد أنهت حالة التردد بالنسبة لسورية واليوم تؤكّد أن مصالحها في سورية تتجاوز قتل الإسلاميين الجهاديين، وأنّها لا تنوي سحب قواتها الخاصة في أي وقت قريب من شمال شرق سورية. يقول إغنيشوس إن أحد المسؤولين في الإدارة الأميركية قد قال له: «إنّ هدفنا يتمثل في خلق مستنقعات (لروسيا والنظام السوريّ) حتى نحصل على ما نريده»، وما يريدونه هم وأساتذتهم من الصهاينة في الكيان وفي الولايات المتحدة هو إنهاء الصراع العربيّ الإسرائيلي لمصلحة المشروع التوسعي الإسرائيلي، ومن هنا نقل السفارة وإيقاف تمويل الأونروا وإغلاق مكاتب منظمة التحرير ووضع جدول زمني واضح لكلّ ذلك. هل بدأت الولايات المتحدة اليوم بجني ثمار الربيع العربيّ وقررت أنها سوف تسير في هذا المسار حتى النهاية دعماً للكيان الصهيوني؟ حديثهم الكاذب عن نياتنا يتزامن ويترافق مع أفعال لهم تكرّر جرائمهم في العراق وتعمل على تحويل دولنا إلى دول فاشلة. ما نحتاجه اليوم في وجه كلّ هذا هو جيش من المفكرين الإستراتيجيين الوطنيين الذين يضعون الخطط مقابل خططهم، إذ لا يكفي حمل السلاح اليوم بل يجب أن يكون مسبوقاً برؤى وأفكار وخطط فذّة تأخذ تعقيدات هذا الواقع الجديد بعين الاعتبار وتقرأ كلّ طروحاتهم من جنيف إلى أنقرة وتلّ أبيب من خلال هذا المنظور، وتقترح الخطط والسيناريوهات التي تضمن سلامة وعزّة بلداننا.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!