قضايا وآراء

تعلموا منه ولا تعلموه!

| د. بسام أبو عبد الله

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث فيه على هامش مؤتمر عالمي للشباب عن موضوع إعادة الإعمار في سورية، وقد أثار رد فعل الرئيس المصري على سؤال عن إمكانية مساعدة مصر لسورية في إعادة الإعمار، ردود فعل سلبية لدى الرأي العام السوري، باعتبار أن كلام السيسي كان جارحاً برأي العديد ممن علقوا عليه، ذلك أنه قال: علينا أن نساعد بلدنا، فلماذا سوف أساعد أناساً دمروا بلدهم بأيديهم؟ أي إن السوريين هم من تسببوا بالدمار الحاصل، حسب رأي السيسي!
الحقيقة أننا يجب أن نقر أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، أن هناك سوريين شاركوا في تدمير بلدهم، وهذه حقيقة مرة، لا بل شديدة المرارة بالنسبة لنا كسوريين، ولا نستطيع إنكار ذلك سواء صدر هذا الكلام عن الرئيسي السيسي أو عن أي شخصية أخرى فهذه حقيقة وواقع لا يمكننا إنكارهما أحببنا ذلك أم لم نحب، لكن الطريقة التي تحدث بها الرئيس السيسي فيها مزايدة على سورية والسوريين الذين لم يطلبوا من فخامته مطلقاً المساعدة في ذلك، ولن يطلبوا، لأن مصر نفسها بحاجة للكثير من المساعدات، والدعم لإطعام شعبها، وتنمية اقتصادها وليست من الدول ذات الفائض المالي لتقرر من تساعد في إعادة الإعمار، ولهذا فإن تعليق الرئيس السيسي لم يكن في مكانه البتة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
أكتب هنا من باب العتب الشديد على كلام أتى في غير مكانه، صحيح هو تعليق عابر، ولكن لا حاجة، ولا قيمة له، لأنه يسيء إلى سورية والسوريين الذين لم يقترضوا تاريخياً من أجل بناء بلدهم بل بنوا منشآتهم وبناهم التحتية بعرق جبين شعبهم، وبمساعدة أصدقائهم الحقيقيين، ولم يحتاجوا أحداً، وأعتقد أن المبالغة الكبيرة في أرقام إعادة الإعمار في سورية هدفها وضعنا في حالة وهمية افتراضية تشعرنا بالعجز عن تحقيق أي شيء، وذلك بهدف أن نستسلم للأجندات الدولية التي تريد أن تحقق سياسياً عبر إعادة الإعمار ما فشلت به عسكرياً وعبر الإرهاب، وهذا يذكرني بتلك الأصوات التي كانت تقول في بداية الأحداث أن «هزيمة سورية» محققة، ولا شيء ينقذها من حالة دولية تريد إنهاء وجودها وتدميرها، لكن نضال الشعب السوري طوال سنوات ثمان بمواجهة هذا المشروع الفاشي التقسيمي هو الذي أسقطه، وحمى المنطقة بما فيها مصر من خطر التقسيم والتفتيت.
ما واجهته سورية، هو ما تواجهه مصر نفسه حالياً، والتفكير الضيق هو الذي يعتقد أن «الخلاص الذاتي» أو الوطني هو الحل! وللأسف فإن ما حصل في الوطن العربي، وما أوصله إلى هذا الواقع المزري سببه التفكير الضيق الأناني الذي لا يكبر بيكاره باتجاهات أخرى ليرى بشكل أوسع حتى مصالحه الوطنية التي لا تتحقق وحدها، ومن تلقاء ذاتها دون التعاون، والتكامل بين دول المنطقة، لأنه ثبت عملياً أن الأمن القومي لدولنا مترابط ويؤثر ويتأثر، وإلا فلماذا أطاح الجيش المصري والشعب المصري من خلفه بالإخونجي محمد مرسي الذي كان قد أعلن الجهاد في سورية وعليها، وكاد ينقل المنطقة إلى حرب مذهبية دينية تدمرها عن بكرة أبيها، وتحيلها إلى أنقاض وركام، وأولى ضحاياها ستكون مصر التي يستهدفها الإرهاب، كما استهدف سورية طوال سنوات ثمان.
بالمناسبة وبأيد مصرية، الإرهابيون الذين يحاكمون في مصر هم مصريون، والإرهابيون الذين يستهدفون الجيش المصري في سيناء هم مصريون، وحاضنتهم مصرية، كما كان الأمر في سورية، ومن يمول الإرهاب في سورية هو نفسه من يموله في مصر، ويديره لأن المطلوب ضرب القوى الحضارية، والمعتدلة في الوطن العربي لمصلحة مشيخات الغاز والكاز، وهنا لا فرق كبيراً بين التمويل القطري أو السعودية، بالنسبة لمشروع استهداف دول المنطقة الأساسية بما فيها مصر.
لا ننكر أبداً أن دور مصر السياسي بقي بعد الإطاحة بمرسي محافظاً على توازنه، وهو على الأقل ليس عدائياً، أي إنه حافظ على ثوابته تجاه وحدة سورية، واستقلالها، وسيادتها، وعلى ضرورة الحل السياسي، وأدان الإرهاب أكثر من مرة، ولكنه أقل بكثير مما هو متوقع من مصر، وحجمها، ودورها، وتأثيرها وذلك بسبب علاقة مصر بواشنطن، وحاجات مصر للمال الخليجي، السعودي أساساً، من أجل إطعام شعبها، وإعادة تدوير عجلة الاقتصاد المصري المتعب، والمنهك بسبب أحداث مصر الداخلية، وما شهدته المنطقة من حروب ممولة من دول الخليج، ومشيخاتها التي تتحجج بما تسميه «نفوذاً إيرانياً»، لكنها أنفقت أموالاً على تدمير الدول العربية تكفي لصناعة نفوذ لدولة عظمى!
ما من شك أن المنطقة والدول العربية بالذات ليست بحاجة في هذه المرحلة إلا إلى خطاب عاقل، حكيم، وعلمي فكل دولة عربية لديها من الهموم والأخطاء والثغرات، ما يكفي لأن نكتب عنه الكثير في الصحافة، أو أن نبحث فيه داخل مراكز الأبحاث والدراسات، لكي نتجاوزها، ونسعى لنماذج تنموية، تحقق ازدهار شعوبنا، وتقدمها أسوة بكل شعوب ودول العالم، لا أن نحاول رمي الآخرين بالحجارة، وبيوتنا من زجاج.

فخامة الرئيس السيسي
من حقك أن تسعى لتأمين لقمة عيش الشعب المصري، ومن واجبك الدستوري أن تحمي أمنهم، واستقرارهم، لكن عليك أن تركز أمام جيل الشباب الذي تحدثت إليه عن أسباب التأخر التنموي في مصر، وكيفية صناعة المستقبل فيها متجاوزاً أخطاء الماضي، وآخذاً دروساً مستفادة من الحاضر، من أجل مصر قوية، لأننا لا نزال نؤمن نحن في سورية أن مصر القوية هي مكسب للعرب وأن مصر الضعيفة خسارة لهم.
أما سورية التي يتحدث عنها الجميع، وينظّر عليها كثيرون فعليهم أن يعرفوا، وهم يعرفون أنها تصدت لأكبر حرب فاشية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأسقطت مشروعاً كبيراً كان ولا يزال يريد تحويلنا إلى طوائف، وعشائر، وإثنيات تتناحر وتقتتل لعشرات السنين.. وسورية هذه ما تزال على عهدها، وإيمانها بعروبتها الحضارية – الإنسانية، وبدورها وبرسالتها في المنطقة، والعالم، وما تحملته سورية وشعبها من ظلم ذوي القربي أشد مضاضة مما تعرضت له من قوى الهيمنة العالمية.

فخامة الرئيس السيسي
لا تقلق على سورية أبداً فإعادة الإعمار ستنجزه، كما أنجزت تحرير أرضها من مئات آلاف الإرهابيين الذين دنسوها، وأنتم تعرفون ذلك، وتحدثتم عنه مراراً وتكراراً.. فالمستهدف من الإرهاب هو سورية، ومصر، وليبيا.. وكل الدول العربية.
هذا ما نفهمه، وندركه، ولم يزعجنا كلامكم عن أن جزءاً من السوريين ساهموا في تدمير بلدهم لأن هذه حقيقة لا يمكننا إنكارها، ولكن ثقوا أن سورية ستخرج أكثر قوة، ومناعة، وهي ليست بحاجة لأموال أحد، إنما هي بحاجة لكلمات طيبة تقر أخيراً أن ما ارتكبه البعض ممن يسمون أنفسهم عرباً سواء بالممارسة، أو الصمت، تجاه سورية، وشعبها هو جريمة كبرى يدفع ثمنها الجميع، والعالم.. وأن انتصارها التاريخي هو انتصار لكل الشعوب الحرة، والمستقلة، وصاحبة الكرامة الوطنية، والاستقلال الحقيقي.. والأهم من كل ذلك أن السوريين سيثبتون لكل من يتنطع عليهم، وينظّر عليهم بإعادة الإعمار أنهم مستقلون، وأصحاب كرامة عالية وعالية جداً.. هذا بلد قدم آلاف الشهداء، هذا بلد نموذج في الصمود، تعلموا منه، ولا تعلموه.. انظر إلى معبر نصيب فخامة الرئيس لترى من يطعم.. من!

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock