من دفتر الوطن

حسب الطلب!

| عصام داري

نكتب عن الأزمات بدلاً من كتاباتنا عن الحب والرومانسية.
نغازل وفق واقع الحال، فبدلاً من إهداء الورد للحبيبة أصبحنا نهديها صفيحة بنزين، أو أسطوانة غاز بدلاً من قارورة عطر.
وبدلاً من تبادل الورد في المناسبات الوطنية والاجتماعية، ونهديه للمرأة في عيد المرأة، صرنا نوزعه في محطات البنزين لنرسم ابتسامة على الوجوه المتجهمة والتي علتها الصفرة والشحوب من السهر والضجر والإرهاق.
صحيح أننا أصبحنا نشعر بالمحبة بين أفراد المجتمع الواحد، لكننا صرنا نتبادل الأحاديث نفسها، ونطرح الأسئلة نفسها، وجميعها تدور حول الأزمات القديمة والحديثة والأكثر «حداثة»: هل ستطول أزمة الغاز والبنزين والمازوت؟ وهل سيتم توزيع الخبز بالبطاقة الذكية؟ ومن صاحب فكرة تلك البطاقة الذكية؟ وهل هناك من يجني المكاسب من وراء توزيع هذه البطاقة المبجلة؟
صار بعض أصحاب المناصب المختلفة لا حديث لهم إلا مجموع هذه الأزمات، وهناك من يذكرنا بأزمات عمرها أكثر من نصف قرن، حيث عانى السوريون أزمات عديدة منها: أزمات سمنة وزيت وسكر وحليب أطفال ومحارم وخبز وبن وغيره كثير!
المواطن صار يدرك أن هناك حصاراً تفرضه الولايات المتحدة و(أشقاؤها) ممن يتحدثون اللغة العربية، لكننا ما عدنا نحتمل رسائل الوعظ والتهدئة، وحتى تهديد كل من ينتقد الأزمة والحلول الغائبة، تلك المواعظ التي تصلنا بشكل متواتر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والغريب أن معظم هؤلاء الوعاظ لا تمسهم تلك الإجراءات والقرارات بل يعيشون في رغد العيش، وعليهم معرفة أن الناس يعتريهم الغثيان و«لعية النفس» والقرف من تلك المواعظ الغريبة والعجيبةِ، فأسكتوا هؤلاء قبل أن نصاب بالجلطات!
المهم أن الشعب والحمد لله أكد أنه صابر صبر أيوب، بل أكثر من صبر كل الصابرين، بدليل أنه يخترع كل يوم نكتة من وحي الأزمة، وينشرها ليتمتع فيها كل المواطنين وخاصة الذين يصطفون في الدور، أكان دور الحصول على بطاقة قالوا إنها ذكية، والعلم عند الله، أو على دور البنزين والمازوت والمواصلات التي صارت نادرة وحتى الخبز، وقد قمت بجولة قصيرة في محيط المكان الذي أسكن فيه، فوجدت أنه لا توجد أزمة سير فالسيارات التي تمر في الشارع تعد على أصابع اليدين!
أليست هذه النتيجة تعني أن قلب الحكومة على الشعب الذي كان يشكو من الازدحام في الشوارع؟ أليس هذا حلاً يرضي الناس لجهة تخفيض الازدحام ويوفر النقود على السوريين عندما لا يجدون بنزيناً؟ وهناك فائدة أخرى من أزمة البنزين وهي ضخ دم جديد في عروق الأسر السورية وخاصة بين الأزواج والزوجات الذين يضطرون إلى ملازمة البيوت، وستستفيد الزوجات تحديداً من وجود زوجها إلى جانبها في المطبخ ليساعدها في اختيار الطبخات بل الإسهام في الطبخ أيضاً!
الشيء الوحيد الذي يطلبه المواطن الصابر أن تخرج الحكومة بتصريحات واضحة وبكل شفافية وتقول للناس أين نقف؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ فهل كثير علينا ذلك؟ فالذي استطاع تحمل ما تعرضت له سورية في ثماني سنوات قادر على تفهم أي تبرير، شريطة أن يكون صادقاً.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock