من دفتر الوطن

الأموال المضبوبة والمسحوبة!

| عصام داري

من أين أجمع أربعمئة كلمة، أو أكثر قليلاً، كي أملأ الفراغ الممنوح لي، هنا، في صحيفة «الوطن»؟
الأفكار كثيرة، لكن المساحة ضيقة لا تتسع لبركان يحتل رأسي، وبياض الورق يصرخ في وجهي: هل استسلمت أمام هجوم القبح على الجمال، والأشواك على الورد، والسكاكين على الحناجر والألسنة؟
لكنني الآن قررت أن أدافع عن السيد دولار الذي نُحّمله كل، أو معظم مشكلاتنا، فعندما يرتفع يسحب معه إلى قمة الهاوية أسعار كل السلع التي يحتاجها الفقراء، فقط لتأجيل أجلهم المحتوم، وعندما يعود وينخفض تبقى الأسعار في قمتها تأبى النزول برفقة السيد دولار!
ليس بيني وبين الدولار أي علاقة ودية كي أتبرع بالدفاع عنه، لكنني أنحاز إلى الحق، والحق أن المشكلة ليست قي تأرجح الدولار، بل مشكلتنا في بعض الذين يحبون لعبة صعود وهبوط الدولار، ورفع الأسعار حتى تقترب من النار، والنار تحمي الأغنياء وتحرق الفقراء ومحدودي ومهدودي الدخل.
أتفهم أن ينبري بعض الناس للدفاع عن مظاهر الفساد بحجة أو بأخرى، كأن يقولون إننا في حالة حرب وعلى المواطن التنازل عن بعض الأمور غير المهمة، لكن ما لا أتفهمه أن يقال إن الوضع الاقتصادي في سورية جيد، وإن المواطن يعيش في أوضاع أقل من جيدة! ولا أفهم ماذا تعني عبارة (أقل من جيدة) أو أكثر من سيئة، وما المقياس المستخدم لقياس وضع المواطن الذي يعيش وفق مؤشر الفقر المتعارف عليه تحت خط الفقر؟
لو أنصفنا لقلنا إننا نعاني تدهوراً خطيراً في حياة المواطن العادي الذي يمثل ما يقرب من تسعين بالمئة من نسبة المواطنين السوريين المسجلين على قيود الأحياء! حسب تقديري الشخصي، أما القلة القليلة فهي تلك التي ترداد المطاعم والمقاهي والفنادق والمنتجعات ذات النجوم المتعددة!
وبحسبة بسيطة نكتشف أن من يتمتع بكل تلك الرفاهية فإنه يتمتع بأموال الدولة المنهوبة، وبعبارة أخرى فإن متعته هي على حساب المواطن، ومن جيوب المواطنين أنفسهم، وكم تحضرني أغنية زياد رحباني في كل مرة أتطرق فيها إلى الفساد والمفسدين ولصوص النهار والتي يقول أحد مقاطعها:
«كل المصاري اللي مضبوبي اللي لا بتنعد ولا بتنقاس
أصلاً من جياب الناس مسحوبي ولازم ترجع عاجياب الناس»
هناك أسئلة كثيرة يتداولها المواطنون همساً حيناً، وبالفم الملآن أحياناً، أهمها أن الفاسد يدمر الدولة مثله في ذلك مثل أي إرهاب من داعش أو غيرها من العصابات الإرهابية، فلماذا نكافح ونقاتل الإرهابي ونكافئ الفاسد واللص وناهب الأموال العامة؟
لماذا نكف اليد التي امتدت لخزائن الدولة، ونترك صاحب هذه اليد السوداء يتمتع هو وأولاده وأحفاده بالأموال التي يجب أن ترجع لجيوب الناس؟
يقولون: لو استعادت الدولة كل الأموال «المضبوبة» والمسحوبة من جيوب الناس والتي تصرف على ملذات قلة من المتسلطين، لعاش المواطن في بحبوحة على الرغم من الأزمة الطاحنة والحصار والعقوبات.
أقول قولي هذا وأستغفر اللـه لي ولكم، وقد اكتملت الأربعمئة كلمة (وزيادة حبتين) وصارت زاويتي في «الوطن» صالحة للحذف أو للحرق أو للنسيان!

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock