قضايا وآراء

سوتشي.. كل الطرقات تؤدي إلى دمشق

| عبد المنعم علي عيسى

وفق المعلن فإن الصورة المتكونة عن قمة سوتشي يوم 22 تشرين الجاري، وربما كانت هي الأهم من بين سابقاتها من حيث تراجمها وما ستفضي إليه على المديين القريب والمتوسط، فإن التباشير توحي بقرب وضع الحرب السورية لأوزارها تبعاً لمعطيات عديدة يختلط فيها الإقليمي مع الدولي وفي أتونهما العامل الداخلي شديد الارتباط بكليهما.
هما أسبوعان لا أكثر امتدا ما بين 9 و22 تشرين الجاري كانا كفيلين بانقلاب كامل للمشهد الحاصل منذ عام 2014 في مناطق الشمال والشرق السوريين، الحد الأول شهد بدء العملية العسكرية التركية المسماة «نبع السلام» فيما الحد الأخير كان قد شهد توقيع «تفاهم سوتشي» الروسي التركي الذي كان إيذاناً بإيقافها، وما بينهما كان الاتفاق التركي الأميركي في 17 من الشهر نفسه الذي يجب النظر إليه اليوم على أنه كان محاولة للالتفاف على الأولى لكنه أفضى من حيث النتيجة للوصول إلى الثانية.
كان قرار الانسحاب الأميركي الذي أطلقته تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل يومين من بدء العملية العسكرية التركية من النوع الثقيل الوطأة على جميع مكونات الصراع، وهو وإن لم يكن مفاجئاً تبعاً لإعلان ترامب عن نيته تلك بدءاً من أواخر كانون الأول الماضي، إلا أنه يخفي الكثير، وربما أكثر ما يخفيه هو عمق التوافقات الروسية الأميركية على الساحة السورية، فالدولة الأميركية العميقة المسماة اصطلاحاً بـ«الاستبلشمينت» استطاعت وقف اندفاعة ترامب نحو بيونغ يانغ وكذا فعلت في اندفاعته تجاه توقيع اتفاق مع حركة طالبان الأفغانية، لكنها لم تستطع فعل الأمر نفسه مع ترامب فيما يخص نياته الانسحاب من سورية، والراجح أن مرد ذلك يعود إلى ضغوط روسية لا يملك ترامب كما يبدو سبل مواجهتها أو احتمالها في الوقت الذي يمضي فيه هذا الأخير قدماً نحو معركة انتخابية تبدو طاحنة، ومن الجائز هنا المجازفة بالقول إن لدى موسكو ما تخفيه بهذا الخصوص، بل ومن الراجح أن له أثراً بالغاً في مسار رحلة ترامب الثانية نحو البيت الأبيض.
كان توقيت الدعوة لانعقاد قمة سوتشي موفقاً لجهة إمكان إعادة طموحات أردوغان إلى «القمقم» فعملية «نبع السلام» كانت قد أفرزت جبهات من الرفض الدولي كان من المستحيل تجاهلها، وكذا كان أردوغان مدركاً أن حلم إقامة «المنطقة الآمنة» يبدو مستحيلاً قياساً إلى العقبات التي تعترضها، وفي الذروة منها غياب أي غطاء دولي أو أممي وفي السياق ذاته أيضاً يمكن لحظ حالة تململ دولي من تكرار تجارب من هذا النوع التي لم تؤد سابقاتها جميعهن إلا إلى الحرب ولو بعد حين، الأمر الذي يفسر الرفض الواسع الذي لقيته المبادرة الألمانية التي أطلقها وزير الخارجية الألماني هايكو ماس عشية لقاء بوتين أردوغان والتي تصب في هكذا سياق، والرفض تكرس بشكل جلي في اجتماع وزراء الناتو المنعقد في بروكسل في 24 من الشهر الجاري، ومنها أيضاً، أي من العقبات، افتقاد الفكرة لأي دعم اقتصادي أوروبي أو إقليمي حيث أشارت مسودة تركية وضعت قبل أسابيع إلى أن قيام تلك المنطقة سيحتاج إلى 27 مليار دولار ستكون لازمة بالحدود الدنيا لإقامة بنى تحتية قادرة على استيعاب مليون من اللاجئين السوريين ومن ثم مضاعفة هذا الرقم في مرحلة لاحقة، ناهيك عن مخاوف الغرب المتولدة عن المصائر التي سيؤول إليها سجناء «تنظيم الدولة الإسلامية» والمؤكد أن أردوغان لم يكن يريد الالتزام بهذا الملف بما يكفي لتجاوز تلك المخاوف.
احتوى «تفاهم سوتشي» وفق ما أعلن على عشرة بنود لكن البارز منها كان أربعة: الأول هو الاتفاق على نشر وحدات من الشرطة الروسية ووحدات تابعه للجيش السوري على امتداد الأراضي المتاخمة للعملية التركية بدءاً من اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، والثاني ضمان انسحاب وحدات الحماية الكردية من منبج وتل رفعت، الثالث تمثل في التأكيد على اتفاق أضنة للعام 1998، أما الرابع فهو الحفاظ على الوضع الراهن الذي استحدثته العملية العسكرية التركية ما بين رأس العين وتل أبيض قبيل الإعلان عن الاتفاق.
في تراجم ما سبق على التوالي فإن البند الأول يعني وأد مشروع «روج آفا» المعلن في آذار من عام 2016، والبند الثاني يأتي في سياقات إثخان الجراح في ذلك المشروع، وهو ما التقطته «قوات سورية الديمقراطية – قسد» سريعاً مما يمكن تلمسه في تصريح لمصطفى بالي المتحدث الرسمي باسم تلك القوات الذي نقلته عنه وكالة «ريا نوفوستي» الروسية يوم الخميس الماضي عندما قال إن قواته على استعداد «لمناقشة الانضمام إلى الجيش السوري بعد التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية» وعلى الرغم من إيجابية ذلك التصريح إلا أن ثمة مخاوف تتبناها أطراف عدة بأن يكون التفكير الكردي في هذا الاتجاه لا يعدو أن يكون محاولة للبس «عباءة» الجيش السوري حفظاً للذات وفي الآن ذاته دخولاً قسرياً في طور الشرنقة بانتظار قدوم «ربيع» جديد، ومن الجدير ذكره هنا هو أن «الإدارة الذاتية» لا تزال تفضل بشكل مؤكد خيار «المناورة» والإيغال فيه سوف لن يفضي إلا إلى استحضار «رصاصة الرحمة» لمشروعها، وفي تتمة التراجم فإن البند الثالث يعني حتمياً دخول العلاقة ما بين دمشق وأنقرة طور «الإحماء» الذي لا بد أن يدخله المتسابقون قبيل الولوج إلى حلبة السبق كي لا يصيبهم التشنج، أما البند الرابع فهو يعني عملياً خروجاً لمساحة تقدر بـ3600 كيلو متر مربع عن السيادة السورية تلك التي تقع ما بين رأس العين وتل أبيض وهي تمتد لمسافة 120 كم وبعمق 30 كم.
ما كان لافتاً هو غياب، والغياب كان شرطياً هنا، أي ذكر لملف إدلب في الاتفاق إلا بشكل غير مباشر عندما أشار البند الثاني إلى الاتفاق على محاربة الإرهاب بكل أشكاله جنباً إلى جنب ومحاربة التنظيمات الانفصالية في سورية، وربما كان ذلك يمثل توافقاً على تأجيل الملف أو الاتفاق على حله سياسياً، والراجح أن هذا الأمر الأخير هو الذي جرى تبنيه قياساً إلى ما أعلنه المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسون في مقابلته مع «الشرق الأوسط» التي نشرت يوم الخميس الماضي والتي ذكر فيها وجوب تجنب أي عملية عسكرية شاملة في إدلب وأن الحل هناك يجب أن يكون سياسياً، وربما كانت هناك توافقات على اعتماد هذا الخيار الأخير الذي لابد له من وجود تعاون تركي تام تضطلع بموجبه أنقرة بالمهام اللازمة لإنجازه وفي الذروة منها المساعدة في تفكيك «هيئة تحرير الشام» الذي سيحتاج إلى وقت في حال صدقت النيات.
هناك الكثير من المؤشرات التي تدفعنا إلى القول: إن أردوغان قد ذهب إلى سوتشي محملاً بهم كبير واحد كان على استعداد لدفع أثمانه، أياً تكن، في مقابل انزياحه عن صدره، وهذا الهم الكامن في الصدر كان يتمثل في الحصول على دعم موسكو لإنهاء تام للملف الكردي في سورية وكذا التعاون لإنهاء ذلك الملف في تركيا وربما في العراق، ومن أجله كان مستعداً في مقابل ذلك لقبول إطلاق ذات اليد الروسية لإيجاد الحلول في مناطق «درع الفرات» و«غصن الزيتون» وربما بدرجة أقل في «المنطقة الآمنة» التي خضعت بقوة الأمر الواقع للسيطرة التركية ما بين رأس العين وتل أبيض في وقت سابق، والراجح وفق العديد من المؤشرات أيضاً أن ذلك هو ما حصل.
باختصار يمكن رسم صورة مكثفة لما استولده تفاهم سوتشي بالقول: إن خسائر للأكراد باتت تحتاج إلى سوق «جملة الجملة» لتحديد أثمانها، ومحاولات رئيسة الهيئة التنفيذية لـ«مجلس سورية الديمقراطية» إلهام أحمد في واشنطن لن تفضي إلا لمراكمة المزيد منها، وفي الضفة المقابلة هناك ربح كبير للروس استطاعت موسكو من خلاله الإمساك برزمة من الخيوط الجديدة على امتداد الساحة السورية، مع تسجيل ربح جزئي للأتراك، أما دمشق الرابحة هي الأخرى وإن كان ربحها «نازفاً» طالما أن اللحظة قد فرضت ولو مؤقتاً بقاء متر مربع واحد خارج السيادة السورية، فكل الطرقات اليوم باتت تؤدي إليها وأولى التقاطر هو انطلاق «اللجنة الدستورية» غدا الأربعاء الذي بات أمراً مؤكداً، ولا أهمية تذكر لبيان المجموعة المصغرة الذي صدر في جنيف 25 من الجاري في أعقاب اجتماع المجموعة لسبب بسيط هو أن الأحداث تجاوزته بل وأفرغته من محتوياته التهديدية والقرار بات محكوماً بسياقات الواقع على الأرض.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock