من دفتر الوطن – أبناء الحياة..!

| عصام داري 

يأخذنا الحزن من أفراح صغيرة عابرة خلقناها بأنفسنا هرباً من غول لم يشبع من دمنا، ومن لحم الأطفال الطري، ولم يتوقف عن مزج عطر صبايانا بخليط البارود والصديد.
خمس سنوات وأنا أبتعد مع سبق الإصرار عن الكتابة في السياسة وتوابعها، هنا في هذه الفسحة الصغيرة كنت أكتب عن قصص الحب والعشق والمغامرات والرومانسية والفن، لأنني ببساطة أردت أن أكتب بالأبيض عن أيامنا السوداء، كي لا نصبغ حياتنا وثياب النسوة وعقدات عنق الرجال بالأسود، وأن أظل رافعاً راية الفرح وسط بحر من الأحزان المتلاطمة التي تضرب شواطئ المواطن السوري.
لا يظنن أحدكم أن ما جرى ويجري على الأرض السورية كان بعيداً عني، أو أنه لم يؤثر في نفسي وروحي الكسيحة، بل ربما أبكاني مشهد هنا، وأحداث مروعة هناك، وكنت أوصي نفسي بأن أظهر غير ما أبطن، وأن أنشر شراع التفاؤل وأبحر في محيط من الفرح والغبطة، نحو سواحل مفترضة لجزيرة الحب والمحبة.
هزني أي حادث مؤلم مهما كان صغيراً، من درعا إلى بانياس وجسر الشغور وإدلب ودير الزور وصولاً إلى ريف دمشق الذي لي معه ذكريات تفوق العقود الستة، لكنني تمسكت بتعهدي ألا أكتب عن السياسة ومشتقاتها كي لا أوصد بوابة الأمل، ولا أكسر عكاز التفاؤل.
لكن ما جرى في حمص العدية، حمص ابن الوليد وديك الجن والعاصي والدبلان، حمص التي عشت فيها أكثر من ثلاث سنوات، ما جرى في حمص هذه يوم السبت الأسود الملطخ بالدم الطاهر هزني بقوة، أيقظ في نفسي كل الأحداث التي شهدتها الساحة السورية طوال سنوات الأزمة، فذرفت عيني دمعة كافية لتشعل الحرائق في الشجر والبشر وتطال الحجر.
تفجر الحزن براكين حزن وحقد على أشباه البشر، الذين أنجبهم زواج الشياطين بالأبالسة، فصاروا مخلوقات لا هي بشر ولا حيوانات مفترسة ولا حتى شياطين، فالشيطان نفسه تبرأ منهم.
لست حزيناً على حمص وما جرى منذ ثلاثة أيام فحسب، ولا حمص التي استشهد فيها أطفال المدارس فقط، وإنما حزين على بلد كنا نقول إنه جنة الله على الأرض، فصار بين ليلة وضحاها «جهنم على الأرض» ولا أقول «جهنم الله» لأن ما يجري من صنع أشباه البشر وأحفاد الشياطين الذين لا يعرفون الله ولا يتعرف عليهم.
رغم الحزن الذي يأخذنا من أفراحنا الصغيرة، ورغم أنهار الدماء الطاهرات، وعويل الثكالى، ودموع الرجال المحبوسة في المآقي، لن نتخلى عن فسحة الأمل، وجرعة التفاؤل، وسنواصل زرع الورود والأزاهير، وننشد القصائد ونغني للحب والفرح لأننا باختصار أبناء الحياة، وعندما نموت نموت كالأشجار، فالأشجار تموت واقفة كما علمنا الكاتب الإسباني الكبير أليخاندرو كاسونا، بل نموت ونحن نعطي ونعشق الأرض المقدسة.